زواج الغربة: "خطايا" الأهل في حق بناتهم خشية العنوسة

بعد أن رسمت الثلاثينية عبير أحمد لنفسها حياة زوجية وردية، وظنت أن الدنيا قد ضحكت لها وفتحت لها أبواب السعادة، بعد أن جاءها عريس اعتبرته "لقطة"، وفرصة لا تعوض، كونه يعيش في إحدى الدول الخليجية، انهارت أحلامها لاحقا.
عبير تصورت أن حياتها مع "العريس المغترب" هي "الجنة"، غير أن عبير عادت بعد أقل من ستة أشهر، إلى منزل أهلها، وعلى أجزاء كثيرة من جسمها آثار لكدمات وضربات قاسية.
الحياة التي تصوّرتها عبير، مليئة بالحب، وحافلة بالسعادة والانبساط والترف، كانت في الحقيقة مختلفة تماماً عن تلك التي وجدتها في غربتها، مع زوجها.
تقول عبير "سعدت أنا وأهلي كثيراً عندما تقدم لي هذا الشخص، خصوصاً وأنه يعمل في الخليج. كانت كل المظاهر تدل على الحياة المترفة التي يعيشها، وعلى تقديره واهتمامه بالمرأة التي كان يدعي أنها أولى الأولويات في حياته، وهو ما جعلني أفرح وأتباهى أمام صديقاتي بما قسمه الله لي من نصيب".
وتضيف "كل ذلك جعلنا نعجّل في ترتيبات الخطبة والزواج. وقد رافقتُ زوجي إلى غربته، لكن الصورة ما لبثت أن بدأت تتغير من حولي منذ أول يوم؛ صار زوجي يسهر إلى ساعات الصباح، ويسكر، ويعشق الفتيات من شتى الجنسيات، ويسيء معاملتي، فيشبعني شتما وضربا، كل يوم".
وتضيف عبير أنه كان يمنع عنها الهاتف، والتحدث مع أهلها، والخروج من البيت. وقد ظلت على هذه الحال إلى أن تسنى لها، بعد أربعة أشهر، الهروب إلى بيت جارتها التي ساعدتها على الحجز في الطائرة والعودة إلى بلدها، مدمرة، ومحطمة، نفسياً ومعنوياً وجسدياً. وما تزال عبير بعد مرور أربع سنوات على طلاقها تعاني الآثار النفسية للمعاناة التي مرت بها.
كثيرات هن النساء اللواتي عانين ما عانته عبير في زواجهن بالغربة. فهي ليست الوحيدة التي خُدعت وتعرضت في غربتها للإذلال والمهانة، فميسون واحدة من أولاء النساء، حيث تمنت الموت بدلا من البقاء مع زوجها الذي ذاقت معه الأمرين، ولا تكنّ له اليوم سوى الازدراء والكراهية، وفق قولها.
خوف ميسون من العنوسة، واعتقادها أن قبولها لعريس كالذي رضيت به زوجا، فرصة لا تعوض، هو الذي جعلها ترضى بالزواج بلا تردد. فبعد أشهر قليلة سافرت معه إلى الولايات المتحدة. وبعد أقل من شهر واحد فقط انقلبت حياتها إلى جحيم، حيث بدأ الزوج يشبعها ضربا، ويُهينها ويذلها، لتدرك في أعقاب ذلك أن زوجها يعاني من مرض نفسي.
وعن الجحيم الذي كانت تعيشه ميسون، تروي "كنت أستيقظ ليلاً فأجده يحمل سكيناً ويهددني بها"، متابعة "كما كان يفتح جرّات الغاز في المنزل، ويتركها مفتوحة، عدا عن بخله الذي لا يوصف، فضلا عن أنه منعني من التكلم مع أي شخص، أو الخروج من المنزل".
وتضيف "واستمر الأمر على هذه الحال إلى أن وصلت إلى مرحلة تمنيت فيها الموت، حتى أخلص من الجحيم الذي أعيشه، إلى أن تمكنت من الاتصال بسفارتي التي مكنتني من العودة إلى بلدي وأهلي".
الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي، يرى أن المشكلة في هذا النوع من الزواج تكمن في عدم اكتمال الحقائق والتفصيلات والشروط التي ترتبط بمشروع الزواج، خصوصا وأن البُعد المكاني يُعطي المجال لتزييف الحقائق.
إلى جانب أن التسرع من قبل الفتاة وأهلها، هو السبب في هذه المشكلة؛ إذ يُفترض أن ينظر إلى هذا "الغريب" كما يُنظر إلى ابن البلد، وأن يُعامل كما يعامل ابن البلد، وألا ينظر إليه على أنه "فرصة العمر"؛ إذ ينبغي أن يعرف أهل الفتاة عنه تفاصيل حياته، بل ويجب أن يعطوا الموضوع أهمية أكثر مما لو كان هذا الرجل من داخل البلد، بالإضافة إلى التأكد من سيرته السابقة، والسؤال عنه بشكل جيد.
ويبين الخزاعي أن أخطر ما يواجه الفتاة في حالة زواج الغربة والبعد عن الأهل هو تعرّضها للعنف الجسدي واللفظي، فهي لا تجد في الغربة من تشكو أو تلجأ إليه، وهو ما يعطي الزوج فرصة التمادي أكثر في إذلالها.
ويشير الخزاعي، من ناحية أخرى، إلى أنه لا بد من عدم الاستعجال في إتمام إجراءات الزواج وكتابة العقد، ولا بد من عدم التسرع في تصديق ما يقوله الرجل، مضيفا أنه إذا كان دافع الفتاة هو الخوف من عدم الزواج، فإنه يتعين على هذه الفتاة أن تعرف وتدرك أن سن الزواج قد تأخرت عما كان، وعليه لا يجوز أن تُضحي الفتاة بمستقبلها بسبب خوف لم يعد له أي داع.
المحامي والمختص في قضايا المرأة، عاكف المعايطة، يرى أن الوضع الاجتماعي الذي نعيشه في الأردن، والأزمة المالية، وعزوف الشباب عن الزواج، كلها عوامل تؤدي إلى لجوء بعض الأهالي إلى تزويج بناتهم من دون تفكير.
يقول "إن حرص الأهل المستمر على مستقبل الفتاة التي وصلت إلى عمر لا يحتمل تأخير زواجها، ورغبة الفتاة في تأسيس أسرة، هو ما يجعل هذه الفتاة وأهلها يقتنعون بسرعة بكلام الخطيب، فلا يتحرون عنه، ولا عن سيرته الذاتية. وهنا تبدأ المشكلة".
ويضيف المعايطة أنه بعد الزفاف تقع الفأس في الرأس؛ إذ يأخذ الزوج زوجته ويغلق عليها في البيت، وتبدأ المعاناة، مشيرا إلى أنه، بصفته محاميا، رأى الكثير من مثل هذه القضايا التي يأخذ فيها الزوج زوجته، وأول شيء يقوم به هو حرمانها من الاتصال بأهلها، ومعاملتها كخادمة في المنزل، وممارسة شتى أنواع التنكيل والإهانات عليها.
يتابع أنه كان في مثل هذه القضايا يحاول دائما البحث عن السبب، فيتصل بالزوج ويسأله عما حدث، ليفاجأ في النهاية باعتراف الزوج نفسه بكل ما فعله وقاله "أنا أخذتها لكي تخدمني"، وهو الأمر الذي "يتنافى تماما مع قدسية الحياة الزوجية".
وهو ما يجعله في هذه الحالة يُخبر الزوجة بحقها في أخذ نفقة، وهي جالسة عند أهلها، ويُبصرها بحقها في رفع دعوى قضائية في حال تعرضها لأي أضرار جسدية أو معنوية من طرف زوجها.
وفي النهاية، يقول المعايطة "إن السبب الأول والرئيسي في مثل هذه القضايا هو تسرع الأهل في تزويج الفتاة، بسبب الخوف من العنوسة".
وفي هذا الشأن، يرى الاختصاصي النفسي د.جمال الخطيب، أن إساءة الزوج لزوجته يندرج تحت مسمى العنف المنزلي من الزوج لزوجته، مبينا أن ذلك مرده لعدم المعرفة الكافية من طرف لآخر، لأن الأصل في الزواج أن يرتبط الزوج بفتاة تعرفه ويعرفها، وهو ما يتسنى خلال فترة الخطبة التي تعد فترة تعارف، حيث تعطي لكل طرف فرصة التعرف على الطرف الثاني.
ويضيف أن الزواج القائم على التسرع في قبول الزوج، باعتباره فرصة لا تعوض، هو "صفقة" تكون فيه فرص التعرف على الزوج قليلة وغير كافية، وبسببه قد تجد الفتاة نفسها في بيئة جديدة تخسر فيها الشبكة الاجتماعية التي اعتادت عليها.
ويشير إلى أن تعرض الزوجة للعنف في غياب الدعم الاجتماعي والعائلي يجعل الأثر النفسي عليها أعمق، وأكثر قسوة، فتصاب بالقلق والكآبة، وما يترتب على ذلك من انعكاسات سلبية مفاجئة على شخصيتها وحياتها.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق